القرطبي
141
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وعن سعيد بن جبير قال : إن في النار لرجلا - أظنه في شعب من شعابها - ينادي مقدار ألف عام : يا حنّان يا منّان ، فيقول رب العزّة لجبريل : يا جبريل ، أخرج عبدي من النار ، فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع ، فيقول : يا رب ، إنها عليهم مؤصدة ، فيقول : يا جبريل ؛ ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار ، فيفكّها فيخرج مثل الخيال ، فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت اللّه له شعرا ولحما ودما . ذكره أبو نعيم « 1 » . وروى ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي » الحديث وقد تقدم . وفيه بعد قوله : « وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت ، وذلك سبعة آلاف سنة ، ثم إن اللّه إذا أراد أن يخرج الموحّدين منها قذف في قلوب أهل الأديان فقالوا لهم : كنا وأنتم وآباؤنا جميعا في الدنيا ؛ فآمنتم وكفرنا وصدّقتم وكذبنا ، وأقررتم وجحدنا ؛ فما أغنى ذلك عنكم ، نحن وأنتم اليوم فيها سواء ، تعذّبون كما نعذب ، وتخلدون فيها كما نخلد ؛ فيغضب اللّه عند ذلك غضبا شديدا لم يغضب مثله من شيء فيما مضى ؛ ولا يغضب من شيء فيما بقي ، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والنار والصراط يقال لها : نهر الحياة ، فيرش عليهم الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ؛ فما يلي الظل منها أخضر ، وما يلي الشمس منها أصفر ، ثم يدخلون الجنة فيكتب على جباههم : هؤلاء عتقاء اللّه من النار ، إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة ، ثم ينادي : يا حنان يا منان ؛ فيبعث اللّه إليه ملكا فيخوض في النار في طلبه سبعين عاما لا يقدر عليه ، ثم يرجع فيقول : إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من النار منذ سبعين عاما فلم أقدر عليه ، فيقول اللّه تعالى : انطلق فهو في وادي كذا تحت صخرة فأخرجه ؛ فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة . ثم إن الجهنميين يطلبون من اللّه تعالى أن يمحو عنهم ذلك الاسم ، فيبعث اللّه ملكا فيمحوه عن جباههم . ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين : اطّلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى جاره وصديقه ، ويرى العبد مولاه ، ثم إن اللّه تعالى يبعث إليهم الملائكة بأطباق من نار ، ومسامير من نار ، وعمد من نار : فتطبق عليهم بتلك الأطباق ، وتشد بتلك المسامير ، وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم الرحمن على عرشه ، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ، ولا يستغيثون بعدها أبدا ، وينقطع الكلام ؛ فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا ، فذلك قوله تعالى : إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [ الهمزة : 8 ، 9 ] . وقال ابن مسعود : في عمد ، أي : بعمد ، وكذا في مصحفه « إنها عليهم مؤصدة بعمد » .
--> ( 1 ) في « الحلية » ( 4 / 285 ) بإسناد ضعيف .